2010/05/25
قاسم عامل البناء
كما تبدأ كل القصص والحكايات؛ سنين من التعب مضت من عمر إنسان تروى في بضعة سطور.. تفاصيل أيام وساعات من البذل والعطاء... فقط لتقول هكذا أعيش وهكذا أجني لقمة العيش.
قاسم الغادي...(53) عاماً.. يعمل بناءاً، وأب لأربعة أطفال. .يرجع إليهم آخر النهار وقد تكلل جبينه بحبات من العرق التي امتزجت ببقايا التراب الأبيض الذي صحبه طوال حياته وصار جزءاً من يومه المنهك. وتعلو رأسه تلك المساحات من الشعر الأبيض، منذرة بأن العمر قد مر سريعاً...
يقول: إنه يكاد ينسى متى بدأت يداه تعمل ومتى احترف مهنة البناء التي لم يعرف غيرها أبداً.. ولكن ذلك كان منذ زمن بعيد. ولا يتذكر سوى أن موسم الشتاء طالما كانت هاجساً في حياته التي مرت على عجل..وحين يقترب الشتاء كان يرتعش خوفا من أن يكون موسماً دون بناء فأين البديل لدخله وقوت عائلته.
هو باختصار يعشق الحجر ويحب أن يحمله على كتفيه متبسما بأمل.. وما يجنيه من عمله في تلك العمارة أو ذلك المنزل ينسيه عذاب شهور من العمل المتواصل. ويظل شاغله الوحيد إيجاد متعهد جديد ليبدأ العمل بورشة جديدة... وهكذا دون راحة لذاك الجسد الذي يكدح ليل نهار.
أما أحلام قاسم فقد كانت تتراكم مع كل طوبة ومع كل قطعة من حجر يبنيها في هذه الورشة أو تلك .. ومستقبل الأولاد تماما كذلك الحائط الجديد البناء؛ فرغم تماسكه إلا أنه هش من الداخل, وصار يخشى أن تخونه القوة والعزيمة.. فالصحة وعزيمة الشباب لم تعد كما السابق وبات يخشى أن تخونه في قادم الأيام.. فعمل البناء لم يعد مربحا كالسابق. أما البحث عن غيره فهو مشكله بحد ذاتها .
ربما تعد هذه القصة بسيطة التفاصيل عاديه عند البعض، إلا أن قاسم شخص عرف طعم الشقاء طول سنين حياته, كرس حياته يبني بيوت الآخرين، وما زال ينتظر أن يبني بيتا لنفسه ولعائلته.. ولكن هيهات...!
لقد أصبحت مصاعب الحياة اليوم في تسارع مستمر، ولا تكاد الأسعار تمهلنا فرصة لإعادة الحسابات، وهو على يقين بأن الحلول إن لم تأت اليوم فلن تأتي غداً.
أما عن رحلة عمله اليومي فهي مليئة بالأحداث.. يبدأ يومه باكراً متوكلا على الله، يعينه عشقه لعمله، ويخيفه هاجس من تلك الوعكات الصحية المتكررة، و مجازفا كعادته بهذه المهنة التي عاشرها طول عمره.. فهو مؤمن بأنك إن نجوت اليوم فهذا لايعني أن غداً سيضمن نجاتك؛ ففوق السلالم العالية، وبين الصخور الثقيلة، ورائحة الجبس القاتلة، وأكوام الغبار، والأصوات الصاخبة، والقطع المعدنية المتأرجحة، سُجلت إصابات كثيرة لعمال البناء، ومنهم من فقد حياته جراء ذلك….
اليوم مازال قاسم يحمل حجره بأطراف أصابعه المرتعشة، وتحيط به هالة من الغبار المتطاير من الأتربة الرمال وحجارة البناء، وقد تعب من الشقاء। وقبل غروب تلك الشمس التي بهت لونها بعينيه، يركن داخل "بيك أب" صغير باحثاً عن عمل إضافي، لعله يجني به رزقا يعينه على دفع مستلزمات البيت ونفقات المدارس وأعباء الحياة المختلفة إلى أن يضع رأسه ليلاً على تلك الوسادة محتاراً بين تعب الحاضر وهواجس المستقبل.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)